بين سفينة ثيسيوس… وتحولات الجزائر والصحراء المغربية

data:post.title

 


وأنا أُنهي قراءة كتاب “حياة ثيسيوس” للفيلسوف اليوناني بلوتارك، استوقفني سؤال فلسفي ظل حيًا عبر القرون:

إذا تم تغيير كل أجزاء سفينةٍ ما قطعةً بعد أخرى، فهل تبقى هي نفسها السفينة؟

هذا السؤال، الذي أعاد الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز صياغته لاحقًا، لم يكن مجرد تأمل في الخشب والمسامير، بل في معنى الاستمرارية والهوية السياسية للدول.

وهنا تبرز المقارنة.

عندما استمعت إلى الحوار الصحفي للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، بدا واضحًا أن ثمة تحولات عميقة تعيشها الجزائر داخليًا وخارجيًا. تجاهله للحديث عن بعض الملفات الإقليمية الحساسة، وعلى رأسها ملف الصحراء المغربية، لم يكن تفصيلاً عابرًا. بل كان مؤشرًا على مرحلة مراجعة أو إعادة تموضع.

السؤال الذي يفرض نفسه:
هل الجزائر اليوم هي نفسها الجزائر التي تأسست على خطاب ثوري راديكالي؟
أم أن السفينة تغيّرت ألواحها بالكامل، وبقي الاسم فقط؟

الجزائري البسيط، الذي يعيش يوميًا ضغوطًا اقتصادية واجتماعية، ربما هو الأقدر على الإجابة.

البعد الاقتصادي: صراع النفوذ لا الشعارات

في خضم هذا السياق، برز توتر جزائري تجاه بعض العواصم الخليجية، خصوصًا بعد تقارير إعلامية فرنسية تحدثت عن تحركات استثمارية محتملة في قطاع الطاقة الجزائري، تتعلق بحصص شركة TotalEnergies.

سواء صحت كل التفاصيل أو لا، فإن المؤكد هو أن الجزائر تواجه تحديات مالية وهيكلية، تجعلها أمام مفترق طرق اقتصادي.
التوازن بين السيادة الوطنية والانفتاح الاستثماري لم يعد خيارًا بسيطًا.

الاقتصاد اليوم هو ساحة الصراع الحقيقية، لا الشعارات.

الصحراء المغربية… تحولات في ميزان الدبلوماسية

في المقابل، ملف الصحراء المغربية يتحرك داخل مسار دولي مختلف عمّا كان عليه قبل سنوات.

الدعم المتزايد لمقترح الحكم الذاتي الذي تقدمت به الرباط، واعتباره حلًا واقعيًا من طرف عدد من القوى الدولية، غيّر قواعد اللعبة. لم يعد الملف يُدار فقط بخطاب سياسي، بل بتوازنات جيوسياسية أوسع تشمل واشنطن وباريس ومدريد.

التصريحات الجزائرية الأخيرة تعكس قلقًا من هذا التحول، لكنها في الوقت ذاته تُظهر إدراكًا بأن البيئة الدولية لم تعد كما كانت.

مصر، الذاكرة، والتاريخ

إعادة استحضار حرب الرمال سنة 1963 في الخطاب الجزائري الأخير لم يكن اعتباطيًا.
لكنه لا يعني بالضرورة أن المنطقة مقبلة على مواجهة عسكرية.

التوازنات الإقليمية اليوم أكثر تعقيدًا بكثير مما كانت عليه في ستينيات القرن الماضي. التحالفات تغيرت، وأدوات الصراع أصبحت اقتصادية ودبلوماسية أكثر منها عسكرية.

الخلاصة: أي سفينة تبحر اليوم؟

سؤال بلوتارك يعود من جديد:

هل الدولة التي تغيّرت أدواتها وتحالفاتها وخطابها، تبقى هي نفسها؟

في حالة الجزائر، التحولات واضحة.
وفي حالة المغرب، الثابت هو مسار دبلوماسي يراكم نقاطًا في ملف الصحراء المغربية داخل المؤسسات الدولية.

السياسة لا تُحسم بالعاطفة، بل بالوقائع.

والوقائع تقول إن المنطقة تعيش مرحلة إعادة ترتيب شاملة، حيث تتحرك السفن بهدوء… لكن في اتجاهات مختلفة.

نوت بريس
الكاتب :