في خضم التحولات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة شمال إفريقيا، عاد الحديث مجدداً عن طبيعة الاتفاقيات الاستراتيجية المرتقبة بين المغرب وفرنسا، وسط تسريبات تتحدث عن أبعاد تتجاوز التعاون الاقتصادي والأمني التقليدي.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم:
هل يمكن أن يتحول التعاون الثنائي بين الرباط وباريس إلى مدخل لإعادة طرح ملفات تاريخية ظلت مجمدة لعقود، وعلى رأسها ملف الصحراء الشرقية؟
خلفية تاريخية
الصحراء الشرقية تمثل واحدة من أكثر الملفات حساسية في العلاقات المغربية–الجزائرية. تعود جذور القضية إلى الحقبة الاستعمارية الفرنسية، حين قامت الإدارة الاستعمارية بضم مناطق شاسعة إلى الجزائر الفرنسية قبل استقلال البلدين.
بعد استقلال المغرب سنة 1956 والجزائر سنة 1962، برز الخلاف حول ترسيم الحدود، وانتهى الأمر بتوقيع اتفاقيات ثنائية عقب حرب الرمال سنة 1963، كرّست الحدود المعترف بها دولياً اليوم.
من الناحية القانونية، الوضع الحدودي الحالي معترف به أممياً، ولم يطرأ عليه أي تعديل رسمي منذ عقود.
ماذا يعني “فتح الملف”؟
أي حديث عن إدراج هذا الموضوع ضمن اتفاق مغربي–فرنسي محتمل لا يعني بالضرورة إعادة ترسيم الحدود، بل قد يأخذ أشكالاً مختلفة، مثل:
-
إعادة قراءة تاريخية وأرشيفية لفترة الاستعمار
-
تسويات اقتصادية مرتبطة بمناطق حدودية
-
تعاون تنموي في الأقاليم الشرقية المغربية
-
أو معالجة ملفات مرتبطة بالإرث الاستعماري
لكن تحويل الملف إلى قضية حدودية رسمية سيكون خطوة معقدة قانونياً ودبلوماسياً، نظراً لالتزامات الدولتين باتفاقيات سابقة، ولمبدأ احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار الذي اعتمده الاتحاد الإفريقي.
الجزائر في قلب المعادلة
من الطبيعي أن يثير أي نقاش حول الحدود التاريخية قلق الجزائر، خصوصاً أن ملف الصحراء الشرقية ظل جزءاً من السردية الوطنية الجزائرية منذ حرب الرمال.
غير أن التحليل الواقعي يفرض التمييز بين:
-
خطاب سياسي أو إعلامي
-
وتحركات قانونية ودبلوماسية رسمية
حتى اللحظة، لا توجد مؤشرات رسمية تؤكد وجود بند حدودي ضمن أي اتفاق مرتقب بين الرباط وباريس.
بين الرمزية والواقعية
العلاقات المغربية–الفرنسية عميقة ومتشابكة سياسياً واقتصادياً وثقافياً. وأي اتفاق استراتيجي بين البلدين سيكون له تأثير إقليمي، لكن تحويله إلى “اتفاقية قرن” تعيد رسم خرائط شمال إفريقيا يبقى طرحاً يحتاج إلى معطيات مؤكدة.
التوازنات الدولية اليوم لا تشجع على فتح نزاعات حدودية جديدة، بل تميل إلى تثبيت الاستقرار وتعزيز الشراكات الاقتصادية.
السؤال الحقيقي ليس: هل سيفتح الملف؟
بل: هل تسمح البيئة الإقليمية والدولية أصلاً بإعادة فتحه؟